عمر السهروردي

30

عوارف المعارف

ومثل الذي وقع على الصفوان مثل الرجل يستمع الكلام فيستحسنه ثم تفضي الكلمة إلى قلب ليس فيه عزم على العمل فينسخ من قلبه . ومثل الذي وقع في أرض طيبه فيها شوك ، مثل الرجل يسمع الكلام وهو ينوي أن يعمل به ، فإذا اعترضت له الشهوات قيدته عن النهوض بالعمل ، فيترك ما نوى عمله لغلبة الشهوة ، كالزرع يختنق بالشوك . ومثل الذي وقع في أرض طيبه مثل المستمع الذي ينوي عمله فيفهمه ويعمل به ويجانب هواه . وهذا الذي جانب الهوى انتهج سبيل الهدى هو الصوفي ، لأن للهوى حلاوة والنفس إذا تشربت حلاوة الهوى فهي تركن إليه وتستلذه ، واستلذاذ الهوى هو الذي يخنق النبت كالشوك ، وقلب الصوفي نازله حلاوة الحب الصافي ، والحب الصافي تعلق الروح بالحضرة الإلهية ، ومن قوة انجذاب الروح إلى الحضرة الإلهية بداعية الحب تستتبع القلب والنفس . وحلاوة الحب للحضرة الإلهية تغلب حلاوة الهوى ، لأن حلاوة الهوى كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، لكونها لا ترتقي عن حد النفس ، وحلاوة الحب كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، لأنها متأصلة في الروح ، فرعها عند اللّه تعالى وعروقها ضاربة في أرض النفس ، فإذا سمع الكلمة من القرآن أو من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتشربها بالروح والقلب والنفس ، ويفديها بكليته ويقول : أشم منك نسيما لست أعرفه * أظن الماء جرت فيك أردانا فتعمه الكلمة وتشمله ، وتصير كل شعرة منه سمعا ، وكل ذرة منه بصرا ، فيسمع الكل بالكل ، وببصر الكل بالكل ، ويقولون : إن تأملتكم فكلي عيون * أو تذكرتكم فكلي قلوب